يارب يا هادي جيب الزباين الناحية دي

عزيزي المبتلى بدخول هذه المدونة .. لاتمني نفسك بموضوع متميز هنا .. فلم يحن وقت حركة احبال ابو الهول الصوتية بعد .

الفارق بيني وبين التميز هو ذاته الفارق بين رائحة الـ ( one man show ) الأصلية ورائحة الشراب المخلوع لتوه

ثمة سخافات متناثرة اطاح بها كيبوردي ذات اليمين وذات اليسار فلم تجد لها مرتعا ..حتى وجدت هذا الـ [ Blogger ] مرتع من لا مرتع له فجعلت منه لكلماتي موطنا عساني اراني يوما متميزا

الذنب ليس ذنبي اذن كما ترى عزيزي بل هو ذنب هذا الـ [ Blogger ] الذي اتاح لي الفرصة .

لايعدو الامر برمته بضعة هلوسات في هذا البلد المستعبط

حكومة بتستعبط .. وشعب بيستعبط .. ومعارضة بتستعبط ..

حتى ان المتنبي - بجلالة قدره - ادرك هذه الحقيقة قبل قرون فقال :

وكم ذا بمصر من المضحكات *** ولكنه ضحك كالبكا

أي والله، حال مصر يُضحك ويُبكي في الوقت ذاته .. بيستعبط يعني !

وقد ادرك المتنبي هذه الحقيقة فدوّنها في شعره ليحفظها لنا الزمان على مر العصور

وانطلاقا من هذا المنطق العبيط

قررت انا ايضا ان استعبط ولو لخمسه دقائق فقط

فهلموا لنستعبط سويا ياقوم

خـمـســة اسـتـعـبـــاط

المقر بما فيه /

مخبر قمل دولة

انا بهيس ... اذن انا كويس

4:30 م

كان في جيوبي مكعب سكر :) 2

استعباط مخبر قمل دولة


من فترة كده نشرت تدوينة عن ذكريات طفولتي ، سميتها " كان في جيوبي مكعب سكر "
وقولت اني هكملها بعدين ( كنت مقسمها على اربع حلقات )
بس الموضوع اتأجل لسبب بسيط
صديقتي المدونة شروق سعيد، اللي هي من نفس الجيل بردو، واللي هي شاطرة اوي برضه في النوع دا من المواضيع، اتفاعلت مع التدوينة بشكل تحفة بصراحة على الفيس بوك، وبعدين الفكرة كبرت فاتفقنا ان هي بردو تدون في نفس الموضوع ( ذكريات الطفولة ) تحت نفس الاسم ( كان في جيوبي مكعب سكر ) واتفقنا ان الموضوع يكون أشبه بمشروع تدويني مشترك
أجلنا تكملة نشر الموضوع لحد مانخلصه احنا الاتنين أولا
ولحد إطلاق موقع الباشـ مدون اللي احنا الاتنين من أعضاؤه ثانيا
وبعدين لظروف متعلقة بالباشـ مدون اتأجل نشر الجزء التاني من الموضوع لحد النهاردة
فانا باعتذر عن التأخير دا كله :)
وآدي الجزء التاني من الموضوع
( شروق مأجلة النشر على مدونتها لانشغالها ، لكنها بتنشر على الباشـ مدون ، ممكن تتابعوا كتاباتها على الباشـ مدون من هنا )

***
كان في جيوبي مكعب سكر :) 2



انا معرفش إذا كان حب القراية هبة من ربنا بيديها لناس معينة ( أو يمكن ابتلاء ) وللا هو الموضوع بالاكتساب، بس عارف كويس إن العوامل كانت بتدفعني دفع في طفولتي لحب القراية، من اول بابا اللي أصر يعلمهالي بعد ما كملت اربع سنين وبعدين بقى كل شوية يملالنا البيت قصص مصورة من مكتبة مصر والمكتبة الخضرا وامثالها ، مرورا باخواتي اللي طلعت لقيتهم بيشتروا مجلة علاء الدين كل أسبوع قبل ماندمن سوا مجلة ماجد لسنين طويلة، وانتهاءا بمكتبة الحضانة ، المكتبة اللي رغم كونها زي ماهو واضح من اسمها موجودة في حضانة البلد - الوحيدة ساعتها - الا انها كانت مخصصة لطلبة المدارس ، وكان اخواتي كل مايستأذنوا الأبلة بتاعت المكتبة ان هما ياخدوني معاهم تعتذر وماتوافقش، لحد فـ يوم مابابا قالي طب روح معاهم، ومعرفش ايه اللي حصل ساعتها، اول ما الابلة شافتني قامت من مكانها ولقيتها جاية ناحيتي وهي بتضحكلي، وطت عليا وباستني زي ماتكون أمي، وفضلت ترحب بيا كتير، ولقيت ولد جايب قصة بيديهالي اقراها، الاستقبال دا أثر فيا أوي، خلاني احب المكتبة واستمتع بيها أكتر حتى من الألعاب بتاعت الشارع.

في المكتبة دي شوفت أول مناقشات أدبية وفكرية في حياتي، مناقشات العيال الكبار اللي كانوا فـ سنة رابعة وخامسة عن المغامرين الخمسة وذكاء تختخ وخفة دم عاطف ورزانة محب وشقاوة لوزة وهدوء نوسة، والعجل بتاعهم والكلب زنجر والمفتش سامي والشاويش فرقع العصبي والغبي بشكل يضحك

بالنسبة لي، كان ركن المغامرين الخمسة في المكتبة زي مايكون محاط بهالة مقدسة، مقدرش أخترقها، كنت منبهر ومش قادر استوعب ازاي حد ممكن يقرا قصة كبيرة أوي كده؟ ومكتوبة بطريقة معقدة كده؟ وكمان مفيهاش صور تقريبا !! دا كان بالنسبة لي قمة النضج الفكري ساعتها، ( بغض النظر عن اني وقتها ماكنتش اعرف مصطلح زي النضج الفكري ده ) عشان كده كنت باقعد اسمع مناقشات العيال الكبار دول بانبهار حقيقي، والمبهر أكتر ان الكبار دول مكانوش بالنضج الفكري دا بس، دول كانوا كمان فنانين رائعين، بشوية ورق وادوات بلاستيك بسيطة وعصيان خشب صغيرة عملوا نموذج كامل لمدينة بمبانيها وشوارعها وأشجارها، دا غير التحف الروعة اللي كانوا بيعملوها بالصلصال، يعملوا ناس أو حيوانات أو صينية أكل أو حلل وكوبايات أو سلة فاكهة، فضلت مواظب على زيارة المكتبة وعدد زوارها بيقل شوية بشوية، العيال الكبار كانوا بيكبروا واحد ورا التاني ويسيبوا المكتبة ومكانش في تعويض من الناحية التانية من عيال أصغر، تماثيل الصلصال بقت ثابتة ومفيهاش تجديد، المكتبة بقت ساكتة ومفيش ناس بتتناقش، فضلت اروح لحد ما المكتبة فضيت عليا خالص، بقيت وانا عندي 8 سنين الزائر الوحيد ليها، كنت باروح الحضانة ألاقي الأبلة قاعدة في مكتب المدرسين، أول ماتشوفني تضحك وتتبسط بيا وتقوم تسلم عليا وتشكر فيا بكلام كنت باتكسف منه قدام زمايلها، تنادي عم عبده، تقوله يطلع معايا يفتح لي المكتبة، وتقوله يفتح لي كل ماجي من غير استئذان، اقعد في المكتبة لوحدي، أشم ريحة "كمكمة" مالية المكان، بقيت دلوقت حافظ تقريبا كل روايات المغامرين الخمسة اللي في المكتبة، بس مفيش حد هنا أتناقش معاه، مفيش حد هنا يونسني ويملا المكان عليا، مفيش حد بيسألني " بتقرا ايه؟ " ولا حد بيقولي " القصة دي حلوة أوي خد اقراها وهتعجبك " مفيش حد يقولي " انزاح شوية " ولا حد يقولي " احجزلي المكان ده لو سمحت لحد ماروح الحمام وآجي " ، المدينة البلاستيك اتغطت بالتراب والشجر بتاعها وقع، تماثيل الصلصال وقعت على الارض واتكسرت، والمكتبة نفسها مابقاش ليها قدسيتها عند أطفال الحضانة، بقى عادي جدا ان حد منهم يهجم على المكتبة من وقت للتاني وهو بيزعق بصيحة قتالية وياخد وضع الاستعداد للحرب قصاد زمايله اللي واقفين بره المكتبة، او انه يدخل المكتبة وهو بيضحك ويستخبى ورا الباب أو تحت ترابيزة من واحد صاحبه بيدور عليه، دوشتهم كانت بتونسني على أد ماكانت بتزعجني، بس كان لازم ساعتها أسيب المكتبة انا كمان، مش بس علشان الشعور بالوحدة، لكن كمان لأني كنت كسرت هالة المغامرين الخمسة المقدسة ووصلت فعلا لقمة "النضج الفكري" وبدأت كمان مرحلة أكثر نضجا، مرحلة رجل المستحيل وملف المستقبل وكوكتيل وفلاش وبقية روايات مصرية للجيب

***

التاريخ عموما مش هينسى لجيلنا انه كان جيل النقلة بين نمطين مختلفين تماما في حياة أطفال مصر، او يمكن التاريخ هو اللي اختار ان جيلنا يبقى جيل التقفيلة و"مسك الختام" لحاجات مصرية كتير، زي الألعاب القديمة اللي ورثناها من الاجيال اللي فاتت، روايات مصرية للجيب ببطلها الأشهر ادهم صبري، والكتاتيب التقليدية، اللي كانت  واحد من أهم مكونات الحياة التعليمية والثقافية في مصر على مدى تاريخ طويل  معرفش ان كان لسه في كتاتيب متنتورة  هنا ولا هناك، بس حتى لو في، دي ممكن نسميها كده النفس الأخير، تطليع روح مش اكتر، على أيامي كان لسه الكُتّاب واحد من أهم مكونات يوم الطفل، أشهر كتاب في بلدنا كان كتاب الشيخ إبراهيم نصار، كان كتاب تقليدي جدا، على النظام الأزهري القديم، الشيخ قاعد مربع على الأرض والأطفال في دايرة حواليه، ويقعدوا يرددوا الآيات وهما عمالين يتهزوا لورا ولقدام، وكان واحد من الكتاتيب اللي لسه الضرب فيها بالفلكة أو بالزخمة أو بالخرزانة أو في أحسن الحالات بعصاية خشب عادية، عصاية لكل غلطة، دا كان قانون الشيخ، مكانش الكتاب بيبطل كل يوم من الساعة 8 الصبح لحد المغرب ، مكانش الشيخ طبعا هو اللي بيسمع لكل العيال، هو أصلا كان محتاج أسبوع على الأقل عشان يسمع لطلبة يوم واحد بس، عشان كده هو كان بيدينا النَص الجديد بس، " بيصحح " يعني بمصطلحات الكتاتيب، اما في التسميع كان بيخلي كل اتنين يسمعوا لبعض، وبعدين كل واحد يروح للشيخ يقوله التاني غلط كام غلطة والشيخ يضرب، ورغم ان طريقة زي دي كان ممكن تكون بوابة كبيرة للتفويت، تطنش على غلطاتي واطنش انا كمان على غلطاتك، أو حتى نقلل العدد، بس رهبة الشيخ وعرق الخسة اللي مكانش لسه نقح علينا كانوا بيمنعونا ان احنا نصارح بعض بالأفكار الخبيثة دي، كل واحد كان بيبقى قاعد بيفكر فيها وعارف ان اللي قدامه بيفكر فيها وكل واحد نفسه يصارح التاني بس مش قادر، ونفسه ان التاني يبادر ويصارحه هو وعارف انه مش هيقدر، كانت الأيام كلها بتمشي على نفس الوتيرة عند الشيخ إبراهيم ماعدا نوعين من الأيام، النوع الأول هو "يوم الإختبار" الشيخ يقولنا مثلا ان يوم التلات الجاي اختبار في جزء الشورى للكتاب كله، دا كان معناه ان مفيش مراجعة أو نَص لأي حد يوم التلات، الكتاب كله من 8 الصبح لحد المغرب عنده اختبار في حاجة واحدة بس، جزء الشوري، وكان معناه كمان إعلان حالة الطوارئ القصوى عند الطلبة كلهم، لأن الاختبار مش عاوز حفظ بس، الاختبار عاوز حد متمكن أوي من حفظه وعنده سرعة بديهة وذهن حاضر وثبات نفسي، لأن الاختبار معناه ان زميلك يقولك مثلا سمع من أول آية كذا، اللي هي في أواخر سورة كذا، وبعدين وانت مندمج في التسميع يقولك فجأة طب سمع من أول آية كذا، اللي هي في نُص السورة، وهوب مرة تانية يقولك طب سمع من آية كذا، اللي هي في سورة تانية خالص، وبعدين ينط على سورة تالتة، وهوب يرجع للسورة الأولى، وهكذا، يقعد يتنطط بين آيات الجزء كله، تنطيط عشوائي من غير ترتيب ولا نظام معين، وفي ناس بقى كانت بتقعد تفنن انها تسألك في الآيات المتشابهة والمواضع الصعبة عشان تلخبطك أكتر، وكانت طريقة زي دي تغلّط أشطرها حافظ لو مكانش عنده حضور الذهن والثبات النفسي اللازم، عشان كدا كان يوم الإختبار دا من أصعب الأيام علينا كلنا، كنا بنتحايل بكل الطرق من تمارض وغيرها من طرق التزويغ القديمة عشان نهرب منه، أما النوع التاني بقى من الأيام المختلفة، كان على النقيض تماما، كان أحب يوم لينا كلنا، تعرف اليوم دا لما تكون رايح الكتاب وتقابل في طريقك كل العيال خارجين منه والفرحة مالية وشوشهم وكل واحد يقابلك يقولك من بعيد بصوت عالي أو يجري عليك عشان عشان يبشرك " الشيخ النهاردة مابيحسبش ولا بيضرب " فتنقل الفرحة من وشوشهم لوشك على طول، لأن دا معناه ان باب الغلطات مفتوح النهاردة من غير حساب ولا عقاب، الشيخ مش بيعد على حد غلطاته ولا بيضرب حد، اغلط زي ماتحب، كانت بتطلب مع الشيخ كدا مرة واحدة، ماكناش بنعرف ايه اللي بيغير مزاج الشيخ كدا بالظبط ولا عمرنا اهتمينا نعرف ( يمكن كان احساس بالذنب على الضرب اللي بيضربهولنا كل يوم؟ ) بس كنا بنفرح أوي، وكانت الغلطة بيبقى ليها لذة في اليوم ده، والواحد كان بيبقى نفسه يكون مش حافظ عشان يفضل يغلط ويغلط من غير ما يتضرب، عاوز يستغل اليوم بأقصى ما يمكن وينتقم لكل الأيام اللي فاتت

حضرنا في طفولتنا نهاية عصر الكتاب ده، الكتاب الأزهري، وحضرنا كمان انتشار نوع جديد من الكتاتيب، الكتاب اللي ممكن نسميه الإخواني والسلفي، كان في اختلافات كبيرة بينه وبين الكتاب الأزهري، الشيخ في الكتاب الإخواني والسلفي كان دايما شاب، بخلاف الصورة النمطية للشيخ الأزهري كبير السن نسبيا، الضرب كمان في الكتاتيب دي كان أخف من ضرب الشيخ الأزهري، دا غير إن الشيوخ في الكتاب الإخواني والسلفي كانوا بيحفظونا أقل من اللي كنا بنحفظه في الكتاب الأزهري في مقابل انهم كانوا بيهتموا أوي بحتة تجويد قراية القرآن، كانوا بيدونا التجويد تطبيق عملي مش دراسة نظرية، يعني كانوا بيهتموا إنهم يعلمونا النطق الصحيح للآية من غير ماندرس الأحكام اللي فيها وليه نطقنا دي كده وليه نطقنا دي كده، ومع الوقت كان الواحد أصلا بيتكون عنده ملكة كده ان لو حد نطق قدامك غلط، سواء قرآن أو حتى غير قرآن، بتلاقي نفسك بتستنكر اللي انت سمعته دا تلقائيا وبتصححه، مع انك مش عارف الغلطة دي اسمها ايه واتصححت كده ليه، طبعا قوة الملكة دي كانت بتتفاوت من واحد للتاني حسب علاقته بالكتاب، فضل فيه كام سنة؟ والشيخ اللي بيحفظه كان مستواه إيه؟ وهو كان طالب شاطر ومهتم وللا لأ؟ وهكذا، فرق كمان ان التعليم في الكتاب الإخواني والسلفي مكانش مقتصر على القرآن بس، انا عارف ان الكتاب الأزهري زمان كان بمثابة مدرسة بيتعلموا فيها قراءة وحساب ونصوص والحاجات دي، وحتى انا حضرت بعض من ده برضو، كان في أطفال صغيرين معايا كان الشيخ بيديهم قراية وحساب، ومن الشيخ إبراهيم عرفت إن الـ"أ" لابسة تاج والـ"ب" طبق واقع منه حتة لحمة والـ"ت" طبق فيه حتتين لحمة والـ"ث" فيه تلاتة والـ"د" واحد قاعد ع البحر والـ"ذ" زيه بس لابس طاقية والـ"ل" عصاية جدك بس مقلوبة والـ"ي" بطة وهكذا، بس الجديد بقى في الكتاب الإخواني والسلفي كان الدرس بتاع يوم الجمعة، كل يوم جمعة بعد الصلاة كان بيبقى عندنا درس في الجامع مع الشيخ في كتب معينة، زي كتب " عقيدة كل مسلم " و " سبيل الهدى " اللي درستهم وانا صغير مثلا، بس أهم فرق بقى بين النوعين كان إن الكتاب الإخواني والسلفي مكانش مقتصر أصلا على الجانب التعليمي بس، كان في أنشطة ترفيهية كتير، يعني مثلا كان عندنا الحد والأربع من كل أسبوع نقعد بعد صلاة الفجر في الجامع نسمع درس صغير للشيخ عبال ما الشمس تطلع نقوم رايحين ع الساحة نلعب كورة لحد ما الدنيا تحرر أوي، وفي الصيف مثلا كل سنة كان بيبقى في رحلة مصيف كام يوم، حاجات زي المصيف ولعب الكورة بما يترتب عليها من منافسة وندية في اللعب والتعامل، دا غير قرب سن الشيوخ مننا، كل دا كان سبب انه كسر حواجز كتير بيننا وقرب المسافات جدا، بس عصر الكتاب الإخواني والسلفي مادامش كتير وانتهى عصر الكتاب للأبد عشان يبقى جيلنا هو آخر جيل حفظ قرآن في الكتاتيب، الموضوع دلوقتي بقى واخد شكلين تانيين، الأول وهو قليل جدا ومعلوماتي عنه شبه معدومة بصراحة، ما يسمى بـ" دار تحفيظ القرآن "، دور تحفيظ القرآن دي، وهي سلفية حسب ما شوفت بالمناسبة، بتعلن على اليفط بتاعتها عن طرق غريبة لتحفيظ القرآن، مرة طريقة نورانية ومرة طريقة بيانية ومش عارف ايه كده، معنديش تخيل بصراحة الطرق دي ممكن تبقى عاملة ازاي يعني، اللي أعرفه إن طريقة تحفيظ القرآن الوحيدة هي ان الشيخ يقرالك النَص الجديد وانت تقرا وراه وتروح تحفظ في البيت وتسمع له تاني يوم، بس !!
الطريقة التانية بقى والأكثر انتشارا دلوقت، الحضانات، الحضانة دلوقتي بقت تتكفل بمهمة تحفيظ القرآن للأطفال، والطفل بيطلع منها على فكرة حافظ أقل من اللي كان بيحفظه من الكتاب، دا لأن الطفل بيطلع من الحضانة حافظ جزء او اتنين وبعدين مش بيكمل في المدرسة، لكن عندنا في الكتاب كان الطالب بيروح الكتاب ابتداءا من سن الحضانة وبيفضل يروح الكتاب على التوازي مع المدرسة كام سنة كمان، ويطلع في الآخر حافظ ربع القرآن مثلا، كان في ناس بتكمل لنصه، وغالبا الأزهريين بس اللي كانوا بيكملوه كله، بس الحضانة عموما محبوبة عند الأطفال أكتر، الحضانة فيها "ميس" لطيفة بتلاعبك وتضحك معاك، في مراجيح وأفلام كارتون وكمبيوتر وأغاني وحفلات ورحلات وطرق أحدث في التعليم، ممكن يكون دا أحسن، بس انا بصراحة حاسس بحنين حقيقي لعصر الكتاب، يمكن هو حنين لذكرياتي مع الكتاب مش للكتاب نفسه، لأن انا أصلا بعد ما كبرت كونت رأي إن من أكبر الغلطات اللي بنعملها في حق القرآن إن احنا نحفظه للأطفال وهما صغيرين، بس دا مش وقت آراء وتنظير بقى :)

11:43 م

أربابًا من دون الله !!

استعباط مخبر قمل دولة



" عاوز أهزر مع شيخ سلفي واسأله بخصوص الجمعة القادمة: هل يجوز اختلاط الرجال بالنساء في المظاهرات؟ وللا هيقسموا الميدان نصين؟ وهل يجوز أن ترفع المرأة صوتها بالهتاف فيسمعه الرجال؟ أم أن صوت المرأة عورة؟ "
كان هذا ما كتبته على الفيس بوك قبيل جمعة 29 يوليو الشهيرة صادقًا في مزاحي وإن حملت الأسئلة رغبةً حقيقية في معرفة إجابة الأصدقاء السلفيين عليها، وتأكيدًا على صدق نية المزاح أتبعت هذا الكلام بتعليق " باهزر بجد مش باتريق، ربنا يوفق الجميع لكل ما فيه الخير لمصر "
ثم فجأة، انفجرت الأمور مرة واحدة، لم يجيبوا عن تساؤلاتي، ربما هربًا من تناقضات لامستها لديهم ( لن تكون على أية حال أكبر من تناقض شيخهم الذي يرى الديمقراطية كفرًا ويستغلها للوصول إلى السلطة )، لجأوا إلى سلاحهم الأسهل والأشهر، التكفير والسباب، إحداهن قالت " اعرف دينك قبل ماتتريق عليه " ثم أضافت الآية التي يقول فيها الله تعالى " ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم " لم أستطع استيعاب الأمر فعلًا، المزاح أو حتى السخرية من أفكار التيار السلفي أصبحت سخرية من الدين؟ تكفير؟ وش كده؟ حمدت الله أن ليس لدي ما يُقاطع، دخل آخرون مؤمنين على كلامها ومضيفين عليه، ذهولي يزداد، هناك بالتأكيد سوء فهم في الأمر، حاولت أن أشرح، " أنا ماباتريقش على ثابت أو معلوم من الدين بالضرورة يا حضرات، أنا باتكلم عن أحكام فقهية أنا ضدها، وهي أمور فرعية جدًا، أنا ضد رأي السلفيين في الاختلاط وصوت المرأة ومختلف معاه، هو اللي بيختلف مع شيخ دلوقت بقى بيتريق على الدين وكافر؟ " أجابني أحدهم " يابني مش رأي السلفيين دا هو الدين؟ " المسألة عنده لا تحتمل الاختلاف إذن، هو يرى أن رأي السلفيين هو الدين، رأي مقدس، حاولت أن ألطف الجو، قلت له إن هذه مسألة فرعية في الدين، فأجاب كلا، الاختلاط ليس مسألة فرعية، هذا تفكير يرى أن كل ما يتعلق بجسد المرأة هو أولى أولويات ومقاصد الشريعة الإسلامية، لا تسل عن أمور كحرية الإنسان وكرامته وتحقيق العدل ونصرة المظلوم فكل هذا يأتي ثانيًا، لقد أفنى محمد بن عبد الله وصحابته الكرام أعمارهم وتحملوا الجوع والتعذيب في الصحاري وعلى جمر النار وخاضوا الحروب حتى يمنعوا النساء من مخالطة الرجال، غير أن اختلال الأولويات هذا على فظاعته وفداحة عواقبه ليس أكبر آفاتهم في رأيي
آفة معظم الإسلاميين في مصر – السلفيين خصوصًا كما أني أزعم أن السواد الأعظم من الإخوان المسلمين يفكرون بذات الأسلوب وإن حملوا أفكارًا مختلفة – أن المفاضلة عندهم بينهم وبين التيارات الأخرى ليست مفاضلة فكرية عادية وإنما مفاضلة دينية، هو يرى أنه أقرب منك إلى الله، وأنك كلما ابتعدت عن فكره كلما ابتعدت عن دين الله، ويتنامى لديه هذا الاعتقاد بـ"الأقربية" من الله حتى يرى أنه الممثل الوحيد لدين الله على الأرض وما عداه يتفاوتون في ذنب بعدهم عن الله حتى يصلون في بعض الأحيان إلى الكفر من وجهة نظره.
في مطوية بعنوان " السلفيون .. من هم؟ وماذا يريدون؟ " تحمل اسم الشيخ ياسر برهامي العَلَم السلفي المعروف سؤال يقول: " من هو مؤسس السلفية؟ " لتأتي الإجابة صادمة " السلفية ليست من تأسيس بشر، فليست كغيرها من الطرق والمذاهب التي هي من وضع أحد العلماء والمفكرين، إنما هي الإسلام نفسه " المسألة عندهم واضحة ومحسومة " السلفية ليست من تأسيس بشر، إنما هي الإسلام نفسه " هذا ليس فكرًا بشريًا، بل هو فكر إلهي، مقدس، نحن نحتكر دين الله ولا مجال للاختلاف، فمن يختلف مع السلفيين إنما يختلف مع دين الله، إنها نفس فكرة الدولة الدينية التي يقسم السلفيون أغلظ الأيمان كلما أتت سيرتها أنهم لا يريدونها، ليس غريبًا إذن أن يكون اختيارًا سياسيًا في مسألة سياسية بحتة كالتعديلات الدستورية هو اختيار بين الدين وما سواه، أو أن تجد سيارات الدعاية الانتخابية لحزب النور تجوب الشوارع منادية " انتخبونا من أجل الله عز وجل " أو " ألا إن حزب الله هم الغالبون " أو أن تجد لافتات الحزب مكتوب عليها " معًا إلى الجنة ".
وإذا كان ضلال الإنسان عند علماء الإسلام قاطبة يقتضي منك أن تدعو له بالهداية فإنه عند جمهور كبير من علماء السلفية يستلزم منك أن تدعو عليه وتستنزل عليه لعنات الله عز وجل، حادثة الشيخ حاتم فريد الشهيرة ليست الأولى ولا الوحيدة من نوعها، أنا شخصيًا مررت بعدة حوادث مشابهة، وسمعت عشرات القصص المماثلة من أصدقاء آخرين، ثم كيف لي أن أثق بمن يستبد برأيه الديني هكذا أن يمنحني حريتي السياسية إذا ما تولى زمام أمور البلد و"الاستبداد السياسي متولد من الاستبداد الديني، والبعض يقول إن لم يكن هناك توليد فهما أخوان، أبوهما التغلب وأمهما الرياسة، أو هما صنوان قويان بينهما رابطة الحاجة على التعاون لتذليل الإنسان "*
إن الفكر – أي فكر – مهما بلغت روعته إذا سقط في هوة التقديس لم يعد صالحًا لحكم البشر الذين جبلهم الله على الاختلاف
قارن بين هذا الفكر السلفي الذي يحتكر الإسلام لنفسه، وبين فكر إسلامي ناضج كفكر الشيخ راشد الغنوشي الذي يقول " إنه ليس أخطر على الإسلام اليوم من الاستبداد والادعاء الصريح أو المبطن لحق النطق باسم الإسلام "** ، أو الشيخ محمد الغزالي الذي يقول " إن الفرق بين الإسلام والفكر الإسلامي هو الفرق بين ما لله وما للإنسان " و " دائرة الإسلام أو دائرة أي دين آخر لا تحول مطلقًا دون اختلاف الفكر الإنساني " و " من يجعل من الفكر الإسلامي إسلامًا يجعل في الواقع إسلامات عديدة مختلفة لله الواحد " و " الفكر الإسلامي غير معصوم عن الخطأ والوهن والإسلام معصوم عن ذلك " ***
ترحمت على الشيخ الغزالي ثم جرتني الذاكرة إلى تذكر حدته في نقد من يرون صوت المرأة عورة، وإباحته للاختلاط في حدود معينة، ثم عرجت بي الذاكرة إلى استحضار مشهد طلاب العلم وهم يتلقونه عن رابعة العدوية، تذكرت سلمان الفارسي وهو يسأل أم الدرداء عن سوء حال ملابسها فتشكو له زهد أبي الدرداء في الدنيا، تذكرت أم هانئ وهي تجير رجلًا مشركًا من أخيها علي بن أبي طالب، بل تذكرت السيدة خديجة رضي الله عنها وهي تقوم على تجارتها بنفسها فتتعامل مع هذا وذاك من الرجال ولولا هذا لما عرفت سيدنا محمدًا وطِباعه ولما نشأ في قلبها هذا الإعجاب والحب تجاهه الذي أدى إلى زواجهما، تذكرت هذا كله وغيره من مظاهر الاختلاط عند "سلفنا" الصالح، ثم راودني خاطر خبيث بأن أمزح مع شيخ سلفي فأسأله " هما كل دول كفار؟ "
_________________________________________
* عبد الرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد
** راشد الغنوشي، مقاربات في العلمانية والمجتمع المدني
*** محمد الغزالي، ليس من الإسلام

7:55 ص

العجوز والبحر

استعباط مخبر قمل دولة

ليس عجوز همنجواي بل آخر سكندري توطدت علاقته بالحياة حتى غمرت وجنتيه بتجاعيدها الحنون، ترهل جسده وهجرت الأسنان فمه تاركة خلفها خواءًا صنع مساحة زائدة في شفتيه تبرز إلى الأمام عند انطباقهما فيبدو دائم الإمتعاض، أهو فعل الخواء بفمه حقا؟ أم فعل السنون بقلبه؟
رأيته في نهار رمضاني من نهارات أغسطس الحارة على كورنيش الاسكندرية الذي لم ينجح نسيمه في تخفيف حدة الحر ولا اجتذاب العشاق يومذاك
مستقبلا البحر بصدره، موليا ظهره للعالم، بدأ مناجاته للبحر
ابتدأها بوجه هائج الإنفعالات، يداه لم تكفان عن الحركة هنا وهناك بإشارات الحديث المألوفة لشرح ما تنطق به شفتاه
المارة المتعجلون للهرب من الحر والصيام أخذوا يرمقونه بنظرات الدهشة والسخرية، لم يلمحهم هو، كان مستغرقا في مناجاته للبحر، كان يسبح في عالم غير عالمهم ( حقيقة؟ )
بدا كما لو كان ذلك لوما لا مجرد بوح أو ثرثرة فارغة، فحديثه للبحر احتد اكثر، وجهه حمل غضبا رقيقا، وانفعالات يديه أصبحت اكثر عصبية
فيم كان يلوم البحر؟ هل أجهض له البحر حلما قديما؟ أينتظر عزيزا طال غيابه؟ هل أغرق البحر يوما ولده الشاب المهاجر للحياة على الشاطئ الآخر؟ أتكمن بين أعماقه محبوبة قديمة له؟ كم دهرًا مضى على هذه العلاقة بينه وبين البحر؟
توقفت عن محاولة التأويل حين لمحت توقفه عن الحديث، وضع يديه على خاصرته وظهر عليه التركيز، بدا كما لو كان ينصت بإهتمام لمحدث ما، أكان البحر يبادله المناجاة؟ لا أعرف، لا يهم أن أعرف، لا يهم إن كان البحر يناجيه حقا أم لا، المهم أن يصدق هو ذلك، أن البحر يناجيه
فجأة، وعلى حين غرة من الطبيعة التي عزفت عنها الرياح في ذلك اليوم، زام البحر وهاجت أمواجه قبل أن يهوي بها على الصخور لتتكسر
المارة المتعجلون للهرب من الحر والصيام طفقوا يهربون من رذاذ البحر المتناثر ويتقونه بما ملكت أيديهم
وحده الرجل العجوز، استقبل الرذاذ بابتسامة عريضة وصدر مفرود، قبل أن يستدير ليغادر البحر منشرح الصدر والقسمات
***
بحب البحر لما يزوم
واعشق صرخته في الريح
واحس في موجه شوق مكتوم
لناس حرة وحياة بصحيح

 _________________________________
* منشور في مجلة الدوحة الأدبية، عدد نوفمبر 2011

 اضغط على الصورة للتكبير