" منها لله التمرجية " هكذا قلت لنفسي حينما استدعاني والدي لمساعدته في تنظيم أمور العيادة في ذلك اليوم نظرا لغياب التمرجية، مهمة ثقيلة على النفس لا يخففها إلا ذلك المال الذي أحصل عليه في نهاية اليوم بعد مماطلة من أبي مدعيا انني ابنه، لكني وبكل شمم الطامحين إلى رفع مشروب القهوة اليومي من الشاي الى عصير الموز او الزبادي خلاط ولو لبضعة أيام ارفض إدخال العلاقات الشخصية في العمل فأحصل على ما أريد ( وفوق ما أستحق )
كنت جالسا في حالي، أستقبل الكشوفات، أسجل الأسماء، أقبض الأثمان، وأدخلها حسب الدور، وبين هذا وذاك أتصفح مجلة كانت في يدي، حتى جاء هو، يسير زهوا وخيلاءا كنطع لا يعرف التواضع إلى دمه سبيلا، مصحوبا بحسناء تقول لزحل قوم وانا اقعد مكانك، قالي لي " ممكن كلمة لو سمحت؟ " صحبته إلى خارج العيادة لأعرف ما يريد، قدم لي نفسه " النقيب فلان الفلاني " باسمه الأول واسم عائلته في إشارة لا تخفى على ابن بلد هنا، فعائلة الفلاني اللي ينتسب لها سيادة النقيب هي كبرى عائلات البلد، لهم في كل انتخابات مرشح ( حزب وطني غالبا، قبل حله بالطبع ) ولديهم جيش من البلطجية يفوق مالدى القذافي من المرتزقة، وهي عائلة معروف أن ابناءها نصفهم في الشرطة ونصفهم في القضاء حتى لا تفلت من بين أيديهم سلطة في البلد ( هناك من يقول إن القضاء نزيه ولا يحتاج إلى تطهير، هه؟ ) والعجيب أن من أعرف من نساء تلك العائلة يعملن حيث تعمل كل النسوة الفاسدات زوجات الفاسدين في عالمنا العربي أجمع، الا وهو النشاط المسمى بالخيري ( لابد من مراجعة تلك التسمية حتى لا يتشوه مصطلح الخير عند العرب ويصبح كلمة مشبوهة وربما سبة في المستقبل، فليكن مثلا النشاط النفاقي، او النشاط التجميلي، او نشاط غسيل الوجوه القذرة )
تذكرت حينذاك مقاومة بلال فضل السلبية الغازية لنائب البرلمان الفاسد المنفوخ في السترة والبنطلون* وحمدت الله أن من علينا بالثورة فأغنانا عن "أضعف المقاومة" - كما سماها بلال - وأعاد لنا مصر وأعطانا وسائل مقاومة أكثر فعالية وإيجابية، عدت لسيادة النقيب الذي ربما كان يأمل فيما اعتاد عليه قبل الثورة، معاملة خاصة، دخول فوري دون التزام الدور، اعفاء من ثمن الكشف، اتنين حاجة ساقعة للباشا والآنسة بسرعة يابني.
استجمعت روح شوارع وميادين مصر الثائرة بداخلي لأقول للنقيب بـ"وش خشب" ان عليه أن ينتظر دوره، بدا أن الإجابة لم تعجبه فعاود المحاولة مرة ثانية " دا كشف صغير ومش هياخد وقت " أخبرته أن يشرح ذلك للناس فإذا ما رضوا فلا مشكلة لدي، ولا أدري إن كان قد لمح تلك الابتسامة على وجهي حينما قوبل طلبه بالرفض القاطع قبل أن يقول لي بغضب مكتوم " استأذن ايه مانت عارف الشعب المصري، كنت قولهم ان دي حاجزة من الصبح ودا دورها ماكنش حد هيفتح بقه " استفزني أسلوبه لأقصى حد - انا المشحون أصلا ضد الشرطة المصرية - ووددت حينها لو أقول له " مش انتو فـ خدمة الشعب دا بردو وللا ايه ياسيادة النقيب ؟ " بل إن شيطان 28 يناير وسوس لي أن أصرخ في وجهه " ماله الشعب المصري يا روح امك؟ دا يرميك انت وعيلتك في أعفن زنزانة في طرة، نسيتوا عمل فيكوا وفـ أسيادكو ايه وللا ايه ؟ لو كنت نسيت فاحنا مش ناسيين التحرير ياولاد الوسخة " لكن أصدقك القول، فإن استحضار تلك الدرجة من الروح الثورية يصبح صعبا إذا ما كنت منفردا، لذا اكتفيت بقولي - الذي اعتبرته متخاذلا وعارا على وقفتي في ميادين الثورة - " مش بإيدي والله يافندم "، طلب مني أن أكلم الدكتور، ربما قال لنفسه إنني شاب نزق لا يعرف كيف يعامل نقيب شرطة من عائلة الفلاني، وبالتأكيد سيكون الدكتور أكثر خبرة بمثل هذه المواقف، دخل معي إلى الدكتور - أبي - وكلمه بنفسه فحصل منه على رد لا يختلف في مضمونه عن ردي وإن اختلف الأسلوب كثيرا، استقبله أبي مرحبا وأخبره بوجه مبتسم أن الأمر لن يستغرق وقتا طويلا قبل أن يحين دوره، شأنه في ذلك شأن كل الكبار الداعين إلى التهدئة والتعقل، وشأني في ذلك شأن كل الشباب المتحمسين الغضوبين، قلت لنفسي أن التوازن بين النمطين مطلوب، جلس سيادة النقيب على كرسي في صالة الانتظار قبالة ذلك الرجل العجوز رث الثياب هزيل الجسد البادية على وجهه علامات البؤس والشقاء، جلست على الكرسي المجاور له، كان غلاف المجلة التي أحملها عليه صورة لفانوس على شكل مبارك يتدلى من حبل المشنقة، وضعت المجلة على ساقي جاعلا الغلاف أمام عينيه لعل الرسالة تصل، ولا أدري إن كانت الرسالة أم معاملة أبي اللينة التي جعلته يتقبل الأمر الواقع ويسألني بوجه وديع وصوت هادئ عن متى يحين دوره لأجيبه عن ذلك، جاء دوره فدخل وجلست انا سارحا بأفكاري، تمنيت لو يقدر المصريون قيم القانون والعدالة والمساواة حق قدرها، تمنيت أن تختفي ثقافة " الباشا " و " ابن مين في البلد دي " من عقولهم، أن يكون الكل سواسية أمام المصالح الحكومية فلا تقضى مصلحة لهذا دون ذاك، الكل سواسية أمام عسكري المرور فلا تعطى مخالفة لهذا دون ذاك، أن يعين في الجامعة الأكفأ والأحق بالمنصب لا ابن الدكتور الفلاني، أن يلتحق بكلية الشرطة صاحب الكفاءة لا صاحب الواسطة، ألا يضرب هذا على رأسه في القسم لأنه بلا ظهر بينما يحمل ذاك على الرؤوس لأنه "ابن حد في البلد دي " أن تصبح مصر " دولة قـــــــانون " حينها فقط ستكون الثورة قد حققت أسمى أهدافها، حينها سأطمئن على مستقبل جيلي والأجيال اللاحقة لنا، أفقت من تفكيري على صوت النقيب خارجا من غرفة الكشف، كان يحييني رافعا يده والابتسامة تملأ وجهه فيما اعتبرته انتصارا مؤزرا لقوى الشعب الثائرة ( تاني حنجورية وحماسة ثورية ؟؟ تاني ؟؟ )، قلت لنفسي إن التهدئة والتعقل والسياسة مطلوبة مادامت غير مصحوبة بتهاون أو تنازل عن المبادئ، والرجل قد التزم بـ"قانون" العيادة فلا بأس، بادلته تحية بتحية وإبتساما بابتسام.
تلتزم بالقانون تبقى صاحبي وحبيبي وكفاءة، تخالف، أعصرك، انزل منك فاسدين صغيرين، واوديكوا كلكوا طرة
___________________________
* انظر كتاب "ضحك مجروح" لبلال فضل، صـ17
منشور في مجلة "جيلنا" الالكترونية
منشور في مجلة كلمتنا - عدد شهر ديسمبر 2011
اضغط لمشاهدة الحجم كاملا
10 استعبطوا معايا:
ياسلام يا أحمد
احنا دمغنا واحدة على كده
انا لسه كتاب مقال من شوية عن قانون الحرية اقراه
حلو جداً و شيق كمان
كالعادة يعنى
برافو :)
في الجووووون !
ممتاز !
مقال - تدوينة ممتاز :)
انت ان شاء الله بلال فضل المستقبل :)
مصعب :
من دواعي سروري ياباشا ان دماغنا تبقى زي بعض :D
-------------
شروق :
سعيد جدا برأيك :)
ع.سالم:
ربنا يكرمك يارب :D
------------
اسماعيل :
يسمع من بقك ربنا يارب
شهادة افتخر بيها :)
تحية طيبة
أقوم بإجراء دراسة عن المدونين فى مصر فى إطار رسالتى للماجستير ،وأتشرف بإضافة مدونتكم فى عينة المدونات الخاصة بى ، وأرجو من سيادتكم الإجابة عن استمارة الاستقصاء المرفقة بالرسالة ، وسيكون لكم جزيل الشكر على تعاونكم واهتمامكم ، وأتشرف بالرد على أى استفسار بخصوص طلبى .
https://docs.google.com/spreadsheet/viewform?formkey=dExYMDRfQ1dfVzl1WWxjakdfQ1llbFE6MQ
مع شكرى للاهتمام والتعاون مرة أخرى
bloggingsurvey@yahoo.com
مها بهنسى المعيدة بكلية الإعلام-جامعة القاهرة
عسل يا احمد
بجد انا مبهورة جدا بك
وبجد انا فخورة انى اعرفك
شكرا لك
أمنية على
تدوينه خفيفة سلسة قوية المضمون :)
استمر ربنا يوفقك
ا\ مها بهنسي
هجاوب ع الاسئلة ان شاء الله يافندم
----------------
امنية
انا اسعد بمعرفتك :)
----------------
امرأة الظل
اسعدني رأيك والله :)
شكرا للمرور :)
إرسال تعليق